دخل الذكاء الاصطناعي مكاتب العمل بهدوء: موظف يطلب منه تلخيص رسالة طويلة، وآخر يستعين به في مسودة تقرير، وثالث يجرّبه في تحليل جدول أو ترجمة عرض. ومع انتشاره ظهر نوعان من الموظفين: من يخفيه خوفًا من العتاب، ومن يلصق فيه كل شيء دون أن يسأل أين تذهب البيانات. وكلا الموقفين مكلف. فالأداة قد توفر ساعات في المهام اللغوية والتنظيمية، لكنها تخطئ بثقة، وقد تعرّض معلومات جهتك للخطر إن استُعملت بلا ضوابط. في هذا المقال نركز على بيئة العمل نفسها لا على البحث عن وظيفة، فنحدد المهام التي تفيد فيها الأداة، ونضع قواعد لحماية المعلومات، ونشرح طريقة مراجعة المخرجات، ونقترح كيف تتفق مع جهتك على سياسة استعمال. وقد تناولنا استعمال الأداة في رحلة التوظيف في مقالات سابقة، ولا نذكر أسماء منتجات لأنها تتغير سريعًا، ولا أرقام توفير لأن ما يُنشر منها لا نملك له توثيقًا.

أين يفيدك الذكاء الاصطناعي فعلًا في يوم العمل؟
الفائدة الأكبر تظهر في المهام اللغوية والتنظيمية المتكررة، لا في القرارات التي تحتاج حكمًا ومسؤولية. وهذه أمثلة للاستعمالات التي يعتمدها كثيرون بنجاح:
تلخيص الوثائق والرسائل الطويلة: تلصق نصًا طويلًا وتطلب نقاطه الرئيسة والإجراءات المطلوبة منك. يوفر وقت القراءة الأولى، لكن عد إلى الأصل في أي نقطة حاسمة.
صياغة المسودات الأولى: بريد أو تقرير أو محضر أو إعلان داخلي. تعطي الأداة هيكلًا وجملًا، وتضيف أنت الوقائع والنبرة. المسودة بداية لا نسخة نهائية.
تحسين النصوص وتدقيقها: تبسيط عبارة معقدة، أو تغيير النبرة من رسمية إلى ودية، أو اقتراح بدائل لجملة، أو كشف أخطاء لغوية.
ترتيب الأفكار: تحويل ملاحظات مبعثرة إلى مخطط عرض أو قائمة بنود، أو اقتراح هيكل لاجتماع.
التحليل الأولي للبيانات: شرح صيغة جدول، أو اقتراح طريقة لتنظيف بيانات، أو تفسير نتائج بسيطة. وهنا يجب التحقق الدقيق من الأرقام.
الترجمة والتكييف: ترجمة مسودة بين العربية والإنجليزية، مع مراجعة بشرية للمصطلحات المتخصصة.
توليد الأسئلة والتحضير: أسئلة محتملة قبل اجتماع أو عرض، أو سيناريوهات اعتراضات.
متى لا تعتمد عليه؟
في بعض المواضع يكون الاعتماد خطأً مكلفًا. وليست القاعدة أن الأداة سيئة، بل أنها مصممة لتنتج نصًا مقبولًا لا لتتحمل مسؤولية صحته:
القرارات ذات الأثر الكبير: توظيف أو فصل أو دفع أو تعاقد أو تشخيص. يمكن للأداة أن تساعد في ترتيب المعطيات، لا أن تقرر.
الوقائع والأرقام والأنظمة: قد تذكر معلومة خاطئة بنبرة واثقة، أو تخترع مرجعًا غير موجود، أو تنقل حكمًا نظاميًا قديمًا. أي رقم أو مادة أو اسم جهة يجب التحقق منه من مصدر رسمي.
المحتوى السري أو الحساس: كل ما لا يحق لك مشاركته خارج الجهة. سنفصله في القسم التالي.
الاتصالات الحساسة عاطفيًا: اعتذار لعميل غاضب أو رسالة تعزية أو مفاوضة صعبة. النبرة المصطنعة تُكتشف وتؤذي.
المهام التي تعتمد على معلومات حديثة: قد لا تعرف الأداة آخر المستجدات، ما لم تكن مرتبطة بمصدر محدّث، فتأكد من قدراتها.
الأعمال المقيّدة بسياسة جهتك: فبعض الجهات تمنع أدوات معينة أو تشترط موافقة، والالتزام بها ليس خيارًا.
كيف تحمي معلومات جهتك وعملائك؟
هذا أهم ما في المقال. فالخطأ الشائع أن يلصق الموظف نصًا فيه أسماء عملاء وأرقام عقود أو بيانات شخصية في أداة عامة، دون معرفة مصيره. والنتيجة قد تكون خرقًا لسياسة الجهة أو لنظام حماية البيانات:
اعرف سياسة جهتك أولًا: هل تسمح بأدوات الذكاء الاصطناعي؟ أي أدوات؟ ولأي أغراض؟ اسأل مسؤول أمن المعلومات أو مديرك قبل أن تبدأ. وإن لم توجد سياسة فاطلب إيضاحًا مكتوبًا.
ما لا يُلصق أبدًا: بيانات شخصية للعملاء والموظفين، وأرقام هوية وحسابات، وعقود وأسعار سرية، وشفرات برمجية خاصة، ومعلومات مالية غير معلنة، ووثائق مصنفة.
ابحث عن الأدوات المجازة: تتيح بعض الجهات نسخًا مؤسسية بضمانات خصوصية وإعدادات حفظ مختلفة. استعمل ما أُجيز فقط.
أخفِ الهوية وبدّل التفاصيل: إن اضطررت لطلب مساعدة في نص حساس، فاستبدل الأسماء برموز، وأزل الأرقام، وصِف الحالة بصيغة عامة.
افهم ما تفعله الأداة بمدخلاتك: هل تحتفظ بها؟ هل تستعملها في التدريب؟ هل يمكن حذفها؟ تختلف السياسات وتتغير، فراجعها دوريًا.
الإطار النظامي: في السعودية يوجد نظام لحماية البيانات الشخصية، وتتوفر المعلومات الرسمية في موقع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. ولا يغني هذا المقال عن استشارة المختصين في جهتك.
كيف تراجع مخرجات الأداة قبل أن تستعملها؟
المسودة الجيدة الشكل قد تحمل أخطاء خفية. وتتوزع مسؤولية العمل المنجز عليك لا على الأداة، لذلك اجعل المراجعة عادة ثابتة:
تحقق من كل رقم واسم وتاريخ: قارنها بالمصدر الأصلي. ولا تفترض أن الأداة نقلتها بدقة، خاصة حين تلخص جداول أو وثائق طويلة.
اسأل: هل هذا قيل فعلًا في المصدر؟ الأدوات قد «تكمل» الفراغ بما يبدو منطقيًا. اطلب منها الإشارة إلى الجزء الأصلي الذي استندت إليه وتحقق منه.
راجع النبرة والسياق: هل يناسب النص الجهة التي سيصلها؟ هل فيه عبارات مبالغ فيها أو لا تشبه أسلوبك؟
راجع الحيادية والتحيز: في نصوص تخص أشخاصًا أو توظيفًا أو تقييمًا، قد تحمل الأداة افتراضات نمطية. اقرأ بعين ناقدة.
دقّق اللغة العربية: قد تظهر ركاكة أو ترجمة حرفية أو مصطلحات غير مألوفة في الوسط المحلي.
اختبر على حالة معروفة: قبل أن تعتمد على أداة لمهمة متكررة، جرّبها على مثال تعرف جوابه الصحيح.
تحمّل المسؤولية بوضوح: ما ترسله باسمك هو كلامك، سواء كتبته أو عدّلته.
كيف تطلب من الأداة بطريقة تعطي نتيجة أفضل؟
جودة المخرج تتبع جودة الطلب. وهذه عناصر عملية تحسن النتائج في العمل اليومي، وقد فصلنا الصياغة في سياق السيرة في مقال سابق:
حدد الدور والجمهور: «اكتب بريدًا موجهًا لمدير مالي مشغول، بنبرة مهنية موجزة».
أعطِ السياق الكافي: الغرض والموقف ومن المخاطب وما المطلوب منه. وبدون ذلك تملأ الأداة الفراغ بالعموميات.
حدد الشكل والطول: ثلاث نقاط، أو فقرتان، أو جدول مقارنة. فالصيغة المحددة توفر إعادة الطلب.
أضف القيود: «لا تضف معلومات غير مذكورة»، «استعمل الأرقام الواردة فقط»، «تجنب الاختصارات».
اطلب بدائل: ثلاث صيغ مختلفة لتختار الأقرب، ثم عدّل.
حسّن بالمحادثة: قل ما أعجبك وما لم يعجبك، واطلب تعديلًا محددًا بدل إعادة كل شيء.
اطلب التفسير عند الشك: لماذا اخترت هذه الصيغة؟ أو ما الافتراضات التي بنيت عليها؟
كيف تتفق مع جهتك أو فريقك على سياسة استعمال؟
أفضل حماية لك وللجهة أن يوجد اتفاق واضح مكتوب، لا اجتهادات فردية. وإن كنت مديرًا أو عضو فريق، فهذه خطوات لتأسيس سياسة بسيطة:
حدّدوا الأدوات المسموحة: وأي استعمالات مقبولة، كتحسين الصياغة والتلخيص للمواد غير الحساسة، وأيها ممنوعة.
صنّفوا البيانات: عامة، وداخلية، وسرية، وشخصية حساسة. ولكل فئة قاعدة واضحة لما يجوز إدخاله في أدوات خارجية.
اتفقوا على الإفصاح: متى يُذكر أن مسودة اعتمدت على أداة؟ بعض الجهات تطلب ذلك في تقارير معينة، وبعضها لا.
حدّدوا المسؤولية: من يراجع المخرجات؟ ومن يجيب عن الأخطاء؟ فالمسؤولية بشرية دائمًا.
درّبوا الفريق: جلسة قصيرة على أمثلة حقيقية من عملهم، بما يشمل الأخطاء الشائعة.
راجعوا السياسة دوريًا: الأدوات والأنظمة تتغير، فخصصوا موعدًا لتحديث القواعد.
شجعوا الأسئلة: بيئة يستطيع فيها الموظف أن يسأل «هل يجوز هذا؟» دون خوف تقل فيها الأخطاء الخفية.
أسئلة شائعة عن الذكاء الاصطناعي في العمل
هل أخبر مديري أنني أستعمل هذه الأدوات؟
الأفضل الشفافية، خاصة حيث توجد سياسة أو حساسية. وكثير من المديرين يرحبون بمن يستعمل أداة بوعي ومسؤولية، ويتحفظون على الاستعمال المخفي.
هل يمكن أن تُكتشف النصوص المولدة؟
لا توجد طريقة موثوقة دائمًا، وبعض أدوات الكشف تخطئ. الأهم الجودة والصدق، وأن تراجع النص وتتحمل مسؤوليته.
هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل وظيفتي؟
لا يمكن الجزم لكل المهن. المؤكد أن المهام تتغير، وأن الموظف الذي يتقن استعمال الأدوات بمسؤولية ويضيف حكمه وعلاقاته يملك ميزة. ركز على المهارات التي يصعب أتمتتها.
0 تعليقات